المقريزي
204
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )
وسلم - ، مقاسيا لآلام الفقر وثقل الجناح بالعيال ، يحترف لهم ويتكسب ما يسد رمقهم به ، ثم صفرت كفه من المال في مدة الحوادث والمحن بعد سنة ست وثماني مائة ، وساءت حاله ، وتعالت سنه ، وهو مع ذلك متوجه إلى طاعة ربه فقيض اللّه له من رحمته فتح الدين فتح اللّه كاتب السّرّ « 1 » فأنعشه باليسير من ماله ، وقرر له وظيفة يجد منها ما يسد به بعض الرمق إلى أن مات وقد تبين فيه الهرم بظاهر القاهرة من يوم الثلاثاء حادي عشرين جمادى الأولى سنة خمس عشرة وثماني مائة . أخبرني الشيخ الشريف الثقة السنيّ أبو بكر بن علي بن يوسف الحسيني قال : أخبرني الثقة العفيف المتدين عمر بن سليمان أنه رأى ببلد كرنغ من قرى الموصل أخوين كانا متشابهين تشابها لا يميّز الحاذق الفطن عند التأمل أحدهما من الآخر ، وكانا جيرانه ، وتحت كلّ منهما امرأة لا تعرف زوجها من أخيه إذا دخل إليها إلا بما تثق به من قوله أنه زوجها . قال : وكان عمر هذا عفيفا بلغ من عفّته أنّ ابن عمه كانت تحته امرأة تهوى عمر هذا ، وكان رجلا جميلا ، فبلغ بها حبّه أن كانت إذا دخل إلى منزل ابن عمه تقوم إليه وتلقي نفسها عليه ، وتعرض نفسها له من غير احتشام فيمتنع عنها ، فإذا كثر إلحاحها وعيل صبره لكثرة الغلمة ألقى نفسه إلى الأرض وخار كما يخور الثور من شدّة ألم الشهوة ، وما زال على طريقه في العفة عنها مع كثرة تعرّضها إليه وعرضها نفسها عليه حتى
--> ( 1 ) انظر الكلام على كتابة السر فيما سبق في حواشي الصفحة 65 .